فتنة القبور بقلم: د.عصام عبد ربه محمد مشاحيت دكتوراه في الدعوة والثقافة الإسلامية

الفتنة : لغة : الامتحان والاختبار ، والمراد بها هنا : سؤال الميت بعد دفنه عن ربه ، ودينه ، ونبيه ، فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت ، فيقول : ربي الله ، وديني الإسلام ، ونبي محمد – صلى الله عليه وسلم – .
ويضل الله الظالمين فيقول الكافر هاه ، هاه ، لا أدري ، ويقول المنافق أو المرتاب لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته .
ويدل على ذلك القرآن الكريم في قول الله تعالى : (يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) إبراهيم: ٢٧.
يقول الشيخ العلامة عبد الرحمن بن ناصر السعدي – رحمه الله تعالى – في تفسيره لهذه الآية : ” يخبر تعالى أنه يثبت عباده المؤمنين ، أي : الذين قاموا بما عليهم من إيمان القلب التام ، الذي يستلزم أعمال الجوارح ويثمرها ، فيثبتهم الله في الحياة الدنيا ، عند ورود الشبهات بالهداية إلى اليقين ، وعند عروض الشهوات بالإرادة الجازمة ، على تقديم ما يحبه الله على هوى النفس ومراداتها .
وفي الآخرة عند الموت بالثبات على الدين الإسلامي ، والخاتمة الحسنة ، وفي القبر عند سؤال الملكين ، للجواب الصحيح ، إذا قيل للميت ” من ربك ؟ وما دينك ؟ ومن نبيك ؟ ” هداهم للجواب الصحيح ، بأن يقول المؤمن : ” الله ربي ، والإسلام ديني ، ومحمد – صلى الله عليه وسلم – نبي ” .
ويضل الله الظالمين عن الصواب في الدنيا والآخرة ، وما ظلمهم الله ولكنهم ظلموا أنفسهم ، وفي هذه الآية دلالة على فتنة القبر وعذابه ، ونعيمه ، كما تواترت بذلك النصوص عن النبي – صلى الله عليه وسلم – في الفتنة وصفتها ، ونعيم القبر وعذابه . أ.هـ ( تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان – للعلامة الشيخ / عبد الرحمن بن ناصر السعدي – مؤسسة الرسالة – الطبعة الأولى 1423 هـ / 425 ، 426).
وقد تظافرت الأحاديث الصحيحة عن النبي – صلى الله عليه وسلم – بأن الإنسان يفتن في قبره ، وهي فتنة قال فيها النبي – صلى الله عليه وسلم – : ” إنه قد أوحي إليَّ أنكم تفتنون في قبوركم مثل (أو : قريبا من ) فتنة الدجال ” ( البخاري : كتاب الجمعة – باب من قال في الخطبة بعد الثناء : أما بعد / 922 ، ومسلم : كتاب الكسوف – باب ما عرض على النبي  في صلاة الكسوف من أمر الجنة والنار / 905).

يقول فضيلة الشيخ العلامة / محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – : ” وفتنة الدجال أعظم فتنة منذ خلق الله آدم إلى أن تقوم الساعة ؛ كما في ” صحيح مسلم ” عن عمران بن حصين – رضي الله عنه – قال : سمعت رسول الله – صلى الله عليه وسلم – يقول : ” ما بين خلق آدم إلى قيام الساعة أمر أكبر من الدجال ” ( مسلم : كتاب الفتن – باب في بقية أحاديث الدجال / 2946.) .
ولكن النبي – صلى الله عليه وسلم – قال لأصحابه ، بل قال لأمته : ” إن يخرج وأنا فيكم ؛ فأ نا حجيجه دونكم ، وإن يخرج ولست فيكم ؛ فامرؤ حجيج نفسه ، والله خليفتي على كل مسلم ” ( مسلم : كتاب الفتن – باب ذكر الدجال وصفته وما معه / 2937 ، وسنن ابن ماجة : كتاب الفتن – باب فتنة الدجال وخروج عيسى بن مريم وخروج يأجوج ومأجوج / 4075 ، والترمذي : كتاب الفتن عن رسول الله  – باب ما جاء في فتنة الدجال / 2245 ، وسنن أبي داود : كتاب الملاحم – باب خروج الدجال / 4321 ، ومجمع الزوائد 7 / 338 ، 347 ، 350. )
ومع ذلك فإن نبينا محمد – صلى الله عليه وسلم – أعلمنا كيف نحاجه ، وأعلمنا بأوصافه وميزاته حتى كأنا نشاهده رأي العين ، وبهذه الأوصاف والميزات نستطيع أن نحاجه .

ولهذا نقول : إن فتنة الدجال أعظم فتنة ، والرسول – صلى الله عليه وسلم – قال : “إنكم تفتنون في قبوركم مثل – أو قريبا من – فتنة الدجال “.
وما أعظمها من فتنة ! لأن الإنسان يتلقى فيها السؤال الذي لا يمكن الجواب عليه ؛ إلا على أساس متين من العقيدة والعمل الصالح.. أ.هـ ( شرح العقيدة الواسطية لفضيلة الشيخ العلامة / محمد بن صالح العثيمين – رحمه الله – دار الثريا – الطبعة الأولى 1419 هـ -1998 م ص 475 ، 476 .).
وثبت عن النبي – صلى الله عليه وسلم – من حديث البراء بن عازب – رضي الله عنه – أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – قال : ” المسلم إذا سُئِل في القبر شهد أن لا إله إلا الله ، وأن محمداً رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فذلك قوله :
( يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا بِالْقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ ۖ وَيُضِلُّ اللَّهُ الظَّالِمِينَ ۚ وَيَفْعَلُ اللَّهُ مَا يَشَاءُ ) إبراهيم: ٢٧

ومن حديث أنس بن مالك – رضي الله عنه – قال : قال رسول الله – صلى الله عليه وسلم – : “إن العبد إذا وُضع في قبره ، وتولى عنه أصحابُه ، وإنه ليسمع قرع نعالهم ، فيأتيه ملكان فيقعدانِهِ فيقولان له : ما كنت تقول في هذا الرجل ؟ قال: فأما المؤمن فيقول : أشهد أنه عبد الله ورسوله ، قال : فيقال له: انظر إلى مقعدك من النار قد أبدلك الله به مقعدا من الجنة ” ، قال النبي – صلى الله عليه وسلم – ” فيراهما جميعا ” ( البخاري : كتاب الجنائز – باب الميت يسمع خفق النعال / 1338 ، وباب ما جاء في عذاب القبر / 1374 ، ومسلم : كتاب الجنة – باب عرض مقعد الميت من الجنة أو النار عليه وإثبات عذاب القبر والتعوذ منه / 2870 ، وصحيح ابن حبان في ذكر الإخبار عما يعمل المسلم والكافر بعد إجابتهما منكرا ونكيرا عما يسألانه عنه / 3120 ، وسنن النسائي : كتاب الجنائز – باب المسألة في القبر / 2050 ، 2051 ، ومسند أحمد / 12293 ، 13471 ، وسنن أبي داود – كتاب السنة – باب في المسألة في القبر وعذاب القبر / 1751 ، 1752 ، والترغيب والترهيب / 5393 ، 5394 .) ، هذا ما يسر الله – عز وجل – جمعه ، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبة أجمعين .

The Fitna of the Graves by Dr. Essam Abed Rabbo Muhammad Mashahit PhD in Islamic Dawa and Culture