حاجة الأمة للصحافة الإسلامية بقلم: د. عصام عبد ربه مشاحيت دكتوراه في الدعوة والثقافة الإسلامية

الصحافة بعامة وسيلة هامة من وسائل التأثير في الرأي العام في المجتمعات الإنسانية المعاصرة.
ويتعاظم دور الصحافة الإسلامية بخاصة لصلتها أولا بالصحوة الإسلامية فهي نبتة مباركة لهذه الصحوة أولاً ثم إنها من أكثر الوسائل التوجيهية مصداقية لدى الجمهور المنتمي للصحوة.
ومن ثمّ فيفترض فيها أن تكون الأكثر تأثيرا في صياغة آراء هذا الجمهور وبلورة أفكاره وبناء تصوراته وتوجيه سلوكياته.
ويمكن لنا أن نعرف الصحافة الإسلامية بأنها:
الصحف التي صدرت عن أفراد ومؤسسات إسلامية وتولى رئاسة تحريرها ومسئولية إدارتها صحفيون مسلمون باعتبار أن أهداف هذه الصحف هي تحقيق أهداف المجتمع الإسلامي الذي تعبر عن واقعه الصحف الصادرة فيه.
وقيل أن الصحافة الإسلامية هي: صحافة ذات رسالة وتقوم على منهج ثابت ومقاييس واضحة عند معالجتها لقضايا الحياة والإنسان مستمدة من التصور الإسلامي الشامل للحياة. (مدخل إلى الصحافة الإسلامية، د. سيد محمد ساداتي الشنقيطي، ص: 13).
أو أنها تلك الصحافة الشاملة المتنوعة التي تعالج قضايا الحياة البشرية جملة وتقدم حلولا لمشكلاتها على هدى من الله بأسلوب قوامه التأثير أسلوبا ومضمونا بهدف إقناع الناس وقيادة الرأي العام مستخدمة فن التحرير الصحفي وأحدث وسائل نقل المعلومات.
وقيل: أن هناك ثلاثة عناصر أساسية تشترك في تكوين مفهوم الصحافة الإسلامية هي الكاتب والصحيفة والموضوع لكن قد يغلب أحدهما في بعض الأحيان. (الصحافة الإسلامية في القرن 19، د. سامي عبد العزيز الكوفي، الوفاء للطباعة والنشر، ط1، 1413ه، ص:11).
وقيل: الصحافة الإسلامية هي الصحافة التي تعالج مختلف قضايا الحياة وأحداثها، من منظور إسلامي استنادا إلى القرآن الكريم وصحيح سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم -، وما ارتضنه الأمة من مصادر تشريعية في إطارهما، ويقدم هذه القضايا والأحداث للجماهير بلغة مناسبة، واستخدام الفنون الصحفية الملائمة، والإفادة من كل وسائل التكنولوجيا الحديثة، ويتولى عرض هذه القضايا محررون وكتاب مسلمون على معرفة عميقة بالإسلام وحقائقه بما يخدم الأهداف والمثل والقيم الإسلامية ويمثل ترجمة وقيادة لواقع المجتمع الذي تنشر فيه. (الصحافة الإسلامية في مصر بين عبد الناصر والسادات، محمد منصور محمود هيبة، دار الوفاء للطباعة والنشر، ط1، 1410ه، ص:40).
وقيل: أن الصحافة الإسلامية هي استخدام أسس الفن الصحفي المعاصر في بث رسالة إعلامية تعبر عن الرأي الإسلامي وتوفر المعلومات الصحيحة التي تساعد على تكوين الرأي السليم في مختلف شئون الحياة. (مدخل إلى الصحافة الإسلامية، د. سيد محمد ساداتي الشنقيطي، ص: 15، نقلا عن: سليمان عثمان، محاضرات في الصحافة الإسلامية ألقيت في كلية الدعوة والإعلام بالرياض عام 1404هـ).
من التعريفات السابقة للصحافة الإسلامية يتبين لنا أن الصحافة الإسلامية أداة حقيقية في دخول الناس في الإسلام أفواجا وأداة حقيقية في تثبيت المسلمين وتمكينهم من الاستقامة وحصول التقوى، فالحاجة إليها لا تقل عن الحاجة إلى الهواء والماء، فغذاء الروح مقدم على غذاء الأبدان في ميزان العقلاء.
حاجة الأمة للصحافة الإسلامية: لا شك أن حاجتنا للصحافة الإسلامية اليوم هي بعينها حاجتنا للإعلام الإسلامي، الإعلام الإسلامي الذي يعلم الناس دينهم، ويثقفهم، ويوجههم ويربيهم ويعرض عليهم قضايا الحياة ومستجداتها في صدق ونزاهة وأمانة، وبراعة واتقان، والصحافة الإسلامية هي أحد فروع هذا الإعلام الإسلامي الأساسية. (مكانة وسائل الإعلام الجماهرية في تحقيق وحدة الأمة، د. سيد محمد ساداتي الشنقيطي، دار عالم الكتب بالرياض، ط1، 1418ه، ص: 123: 166 بتصرف يسير).
وظائف الصحافة الإسلامية: يمكن لنا أن نلخص وظائف الصحافة الإسلامية في عدة نقاط نذكر منها على سبيل الذكر لا الحصر ما يلي:
1- الوظيفة الإخبارية بأبعادها المختلفة – الشرح والتفسير والتحليل، وقبل ذلك رواية الحدث نفسه ومتعلقات ذلك.
2- الوظيفة الاجتماعية ويندرج تحتها مجموعة من الوظائف الفرعية أهمها: الإرشاد، والنذارة، والتذكير، والنقد البناء، والتوجيه، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر … وغير ذلك من الوظائف.
3- الوظيفة الحضارية وبها وظيفتان فرعيتان هما: الوظيفة التعليمية والوظيفة الفكرية أو التثقيفية.
4- وظيفة المساندة بشقيها جانب التأييد والدعم، وجانب صد الاعتداء، ومواجهته، ومتطلبات ذلك إعلاميا.
5- وظيفة التنمية المتمثلة في إيجاد المناخ الملائم لها والقائم على ركائز الإيمان والعلم، والعمل، والوحدة، والتعاون، مع السعي لإزالة معوقاتها من الفسوق، والجهل والكسل.
6- الوظيفة الإنسانية وتتمثل في الجهود الإعلامية التي يقوم بها الإعلام الإسلامي أو وسائل الإعلام وفي مقدمتها الصحافة الإسلامية لدعوة غير المسلمين إلى الإسلام؛ لإخراجهم من الظلمات إلى النور.
7- وظيفة التسرية المتمثلة في الجهود التي تبذلها الصحافة الإسلامية خاصة والإعلام الإسلامي عامة في إزالة الهموم وتفريج الكروب، وإدخال البهجة والسرور على النفوس تأسيا بما في كتاب الله من نصوص تسري عن الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه.
8- وظيفة تحصين الرأي العام ضد الفساد الفكري والخلقي والسلوكي، وإعداد المؤمنين لمواجهة الشدائد والدسائس، وصنوف الشائعات والضلالات.
9- وظيفة هدم العقائد الفاسدة، وإقامة العقيدة الصحيحة مكانها.
ولا شك أن سند تلك الوظائف وغيرها مما يمكن أن تقوم به الصحافة الإسلامية في بناء حياة الأمة بناء سليما هو نصوص القرآن الكريم، والسنة الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهي من الكثرة بحيث يصعب الحصر لكن يكفي في الدلالة على بعض تلك النصوص منها على سبيل الذكر لا الحصر:
قال تعالى: “وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ ۖ فَمِنْهُم مَّنْ هَدَى اللَّهُ وَمِنْهُم مَّنْ حَقَّتْ عَلَيْهِ الضَّلَالَةُ ۚ فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ” ( النحل: 36).
وقال تعالى: “لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ ۖ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ ۚ فَمَن يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللَّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىٰ لَا انفِصَامَ لَهَا ۗ وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ” ( البقرة: 256).
وقال تعالى: ” قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ ۖ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا ۖ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا ۖ وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُم مِّنْ إِمْلَاقٍ ۖ نَّحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ ۖ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ ۖ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّىٰ يَبْلُغَ أَشُدَّهُ ۖ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ ۖ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا ۖ وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَىٰ ۖ وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ وَأَنَّ هَٰذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ ۖ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ ۚ ذَٰلِكُمْ وَصَّاكُم بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ ثُمَّ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ تَمَامًا عَلَى الَّذِي أَحْسَنَ وَتَفْصِيلًا لِّكُلِّ شَيْءٍ وَهُدًى وَرَحْمَةً لَّعَلَّهُم بِلِقَاءِ رَبِّهِمْ يُؤْمِنُونَ وَهَٰذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ” ( الأنعام: 151 : 155).
وغير ذلك من النصوص القرآنية مما يؤكد أهمية الوظائف البنائية وخاصة ما يتعلق منها بجانب إقامة التوحيد في حياة الناس.
أهداف الصحافة الإسلامية: يمكن لنا أن نُجمل أهداف الصحافة الإسلامية فيما يلي، وذلك على سبيل الذكر لا الحصر:
1- ترسيخ الإيمان في النفوس.
2- تحقيق السيادة لشرع الله.
3- الوصول إلى مجمع الطهر والنقاء.
4- إعلاء كلمة الله بإيصالها إلى كل أذن بشرية.
المشكلات التي تواجه الصحافة الإسلامية: لعل من أهم هذه المشكلات التي تواجه الصحافة الإسلامية ما يلي:
1- التبعية في مصادر الأخبار والمعلومات: حيث إنها في الواقع عاجزة عن الاستقلال في رؤية الحياة وأحداثها بحكم أن المتاح من الأخبار والمعلومات أمام الصحافة الإسلامية لا بد أن يكون ملونا برؤية من يملكون مصادر الأخبار والمعلومات من وكالات أنباء، وشبكات للمعلومات، وبنوك المعلومات، والسوق الاخباري اليوم تسيطر عليه وكالات أنباء تصف نفسها بالعالمية لا تتجاوز أصابع اليد الواحدة، ليس من بينها وكالة أنباء إسلامية.
2- المناخ السياسي غير الملائم: قد يتعذر في ظل وجود مناخ سياسي غير ملائم وجود حرية إعلامية بالمفهوم الإسلامي الذي يعلي من شأن الحرية الإعلامية والصحفية الراشدة، ولا قيمة في الحقيقة لإعلام، أو صحافة لا يتوفر له أو لها هذا القدر من الحرية الإعلامية المسئولة (انظر: دراسات إعلامية في فكر ابن تيمية – د. سيد محمد ساداتي الشنقيطي – دار المسلم، ط1، 1416ه، ص: 179: 185 بتصرف يسير). ولعل الواقع السياسي على مستوى العالم الإسلامي، والممارسة الصحفية فيه خير بيان لطبيعة هذه المشكلة من مشكلات الصحافة الإسلامية أو معوقاتها (انظر: قضايا إعلامية معاصرة في الوطن العربي، د. عواطف عبد الرحمن، دار الفكر العربي، ط1، 1417ه، ص: 16: 18 بتصرف يسير).
3- المناخ الفكري الملوث: لا يقل المناخ الفكري الملوث أثرا عن المناخ السياسي على النشاط الصحفي، ولا يخفى على كل ذي لب فداحة هذه المشكلة في ظل الوضع الفكري للأمة اليوم من حيث كثرة الأفكار الضالة، والتيارات الفكرية التي لا صلة لها بالإسلام، وكثرة الفرق التب تنتمي للإسلام والإسلام منها براء، وعلى ذلك فإن الصحافة الإسلامية غير قادرة في ظل المناخ الفكري الملوث على مستوى الأمة، ومستوى العالم على القيام بواجباتها الأساسية من الإسهام في إعادة الإشراقة إلى وجه الأمة أيام عزها وسؤددها، وسلامة معتقدها (انظر : حرية الفكر وترشيد الواقع ، د . عاصم أحمد عجيلة، عالم الكتب بالقاهرة، ط2، 1410ه، ص: 36: 41.).
4- ضعف الإمكانات المادية والبشرية والفنية.
5- الانفصال عن واقع الناس: لا شك أن المشكلات السابقة جعلت الصحافة الإسلامية وكأنها منفصلة ومنعزلة عن الناس، فلم تعد قادرة على تحريك مشاعر الأمة وشد انتباهها للتفاعل مع ما هو مطروح على الساحة من أحداث ومشكلات.
هذا ما يسر الله جمعه، وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.