سنة الإعتكاف في العشر الأواخر وحكم الإعتكاف في البيوت بسبب فيروس كورونا بقلم : د. عصام عبد ربه مشاحيت – عضو اللجنة الإستشارية العليا لمنصة”أريد” للعلماء والخبراء والباحثين الناطقين بالعربية – جامعة مالايا ماليزيا

 الحمد لله ، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين …. اعلم رحمني الله وإياك أن من هدي النبي – صل الله عليه وسلم – في العشر الأواخر من رمضان الاعتكاف والانقطاع عن شواغل الحياة ، ففي الصحيحين عن عائشة – رضي الله عنها – قالت : أن النبي – صل الله عليه وسلم – كان يعتكف في العشر الأواخر من رمضان حتى توفاه الله تعالى ” .
وإنما كان يعتكف النبي – صل الله عليه وسلم – في العشر الأواخر التي يطلب فيها ليلة القدر ، قطعا لأشغاله ، وتفريغا لباله ، وتخليا لمناجاة ربه ، وذكره ودعائه ، وكان يحتجر حصيرا يتخلى فيها عن الناس فلا يخالطهم ولا يشتغل بهم ، ولهذا ذهب الإمام أحمد – رحمه الله – إلى أن المعتكف لا يستحب له مخالطة الناس حتى ولا لتعليم علم وإقراء قرآن ، بل الأفضل له الانفراد بنفسه والتخلي بمناجاة ربه وذكره ودعائه ، وهذا الاعتكاف هو الخلوة الشرعية وإنما يكون في المساجد لئلا يترك به الجمع والجماعات ، فإن الخلوة القاطعة عن الجمع والجماعات ينهى عنها .
والاعتكاف من السنن المهجورة التي قلّ العمل بها وغفل عنها كثير من الناس ، قال الإمام الزهري – رحمه الله – : ” عجبا للمسلمين ! تركوا الاعتكاف ، مع أن النبي – صل الله عليه وسلم – ما تركه منذ قدم المدينة حتى قبضه الله – عز وجل – .. ”
فبادر أخي الحبيب إلى إحياء هذه السنة العظيمة ، وحث الناس عليها والترغيب فيها ، وابدأ بنفسك فإن الدنيا مراحل قليلة وأيام يسيرة ، فتخلص من عوائق الدنيا وزخرفها ، واتجه بقلبك وجوارحك إلى الله – عز وجل – في ذل وخضوع وانكسار ودموع لتلحق بركب المقبولين الفائزين .
أخي الحبيب …
هذه فرصة عظيمة وساعات قليلة ، ليستفيد المسلم من هذا الاعتكاف والانقطاع والبعد عن الناس ، ليتفرغ لطاعة الله في مسجد من مساجده طلبا لفضله وثوابه واتقاء سخطه وعقابه وإدراك ليلة القدر ، من قبل أن تطوى الصحف وترفع الأقلام وتنصب الموازين ففريق في الجنة وفريق في السعير .
وكان من هديه – صل الله عليه وسلم – في العشر الأواخر غير الاعتكاف ما ثبت عن أم المؤمنين عائشة – رضي الله عنها – قالت : كان رسول الله – صل الله عليه وسلم – إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله ، وأيقظ أهله ” أخرجه البخاري ومسلم
وعنها أيضا قالت : كان رسول الله – صل الله عليه وسلم – يجتهد في العشر الأواخر ما لا يجتهد في غيره ” رواه ابن ماجه والترمذي وأحمد في مسنده
وكان – صل الله عليه وسلم – يطرق الباب على فاطمة وعلى – رضي الله عنهما – قائلا : ” ألا تصليان …” رواه البخاري ومسلم ، وكان – صل الله عليه وسلم – يتجه إلى حجرات نساءه فيقول : ” أيقظوا صواحب الحجر فرب كاسية في الدنيا عارية يوم القيامة ” رواه البخاري ومسلم
وكان – صل الله عليه وسلم – لم يترك أحدا من أهل بيته صغيرا كان أو كبيرا يطيق الصلاة إلا وأيقظه .
فهذا هو حال النبي – صل الله عليه وسلم – إذا أقبلت العشر الأواخر . أجتهد في العبادة فأحيا الليل بالقيام واعتزل النساء وأيقظ أهل بيته للصلاة وهو من هو ؟
فيا عجبا من حال أقوام تمر عليهم تلك الليالي الفاضلة وهم في غفلة عنها ، لا يقيمون لها وزنا ، ولا يقدرون لها ثمنا ، وهذا والله هو المغبون الذي فرط في خير كثير ، وكان بإمكانه أن ينال أكثر منه ، لو فطن لنفسه ، ولكن المحروم من حرم خير هذا الشهر .
وفي ظل ما يعيشه العالم اليوم من حجر صحي بسبب فيروس كورونا، ومنع غالب سلطات العالم الصلوات في المساجد، فسيشهد هذا العام خلو المساجد في رمضان من صلاة الجماعة وكذلك من صلاة التراويح، بالإضافة إلى منع الاعتكاف في المساجد.
ومع صلاة الناس في البيوت، ووجود ما يعرف بـ( مسجد البيت)، وهو تخصيص مكان للصلاة في البيوت؛ لأجل صلاة الجماعة، يتبادر إلى أذهان بعض المسلمين الحريصين على إقامة السنن واتباع الهدي التفكير في الاعتكاف في البيوت، ويتساءلون عن مدى شرعية، خاصة مع كونه ينافي قوله تعالى: {وَلَا تُبَاشِرُوهُنَّ وَأَنْتُمْ عَاكِفُونَ فِي الْمَسَاجِدِ} [البقرة: 187].( مستفاد من موقع اسلام أون لاين على الشبكة العالمية )
قلت : أن بقاء الناس في بيوتهم، والتزام الحجر الصحي الذي يعيشه الناس، يرجح رأي بعض المالكية بجواز الاعتكاف في مسجد البيت، وذلك بشروط:
1- أن يكون ذلك في مسجد البيت، وليس كل البيت، بمعنى أنه لابد من وجود مسجد أو مكان خاص بالصلاة، لا يستعمل إلا للصلاة.
2- أن يلتزم المعتكف مسجد بيته، لا يخرجه إلا لضرورة، كقضاء الحاجة ونحوها، فيمكث فيه طوال فترة الاعتكاف، أما أن يبقى فيه بضع ساعات ثم يعيش حياته الاعتيادية، فليس باعتكاف.
3- أن ينشغل المسلم بعبادات الاعتكاف في مسجد بيته، من الصلاة والذكر وقراءة القرآن، وبذلك يتحقق مقصود الاعتكاف.
4- أن هذا الاختيار مبني على مراعاة الظروف التي يعيشها الناس، فإن زال العذر؛ عاد الحكم إلى أصله، وهو اشتراط المسجد للاعتكاف، ويبقى الاعتكاف في مسجد البيت للمرأة، على ما ذهب إليه الحنفية والشافعي في القديم.
5- إن القول بجواز الاعتكاف في بيوت المسلمين له حظ كبير من النظر في ظل هذه الظروف؛ لأن فيه إعمالا وحفظا للشعيرة، والإعمال مع سقوط بعض الشروط أولى من الإسقاط بالكلية.
ولو نظرنا إلى مآل القول بجواز الاعتكاف في مسجد البيت بالشروط، رأينا أنها أفضل وأعظم من القول بإسقاط الاعتكاف بالكلية، خاصة أن ما حصل للناس من ترك المساجد هو من باب الجبر وليس من باب الاختيار، والاجتهاد في الوقائع المستجدة يجب أن يراعي التفريق بين ما كان جبرا؛ فيخفف فيه، وبين ما كان اختيارا، فيرجع فيه إلا الأصل والعزيمة، يضاف إلى هذا ما فيه من الحث على العبادة والتقرب إلى الله تعالى، في الوقت الذي سينشغل فيه الناس في بيوتهم بالمسلسلات الرمضانية وضياع أوقاتهم في معصية الله، فكان القول بالجواز؛ أولى مراعاة للمآل، وإعمالا لمقصد الاعتكاف، على أنه يبقى حكم خاص في زمن خاص، فهو من باب الرخصة وليس العزيمة.